الجانب النظري غير كاف للإحاطة بالحالة التربوية فهما وتفسيرا، إذ لابد من نموذج تطبيقي يسعف رجال التعليم وأطر الإدارة التربوية على مقاربة النصوص التي تشخص الحالة التربوية. وإليكم نموذجا للتطبيق والمعالجة يمكن الانطلاق منه لكتابة الموضوع الإنشائي التربوي في دراسة الحالة التربوية.
1- النص المعطى:
” تقع مؤسسة تعليمية بين منطقتين مختلفتين من حيث الجوانب السوسيو ثقافية والسوسيو اقتصادية، وهي مؤسسة يدرس فيها أبناء المنطقتين معا. وقد لوحظت اختلافات وتباينات في فضاء المؤسسة وفضاء القسم مما أدى إلى ظهور تمايزات وصراعات ثقافية واقتصادية ورمزية وعرقية، وفضاء لصراعات الانتماء والهوية… الخ
إن ظاهرة مثل هذه تحفز المدير ومجلس المؤسسة والمدرسين على خلق أنشطة للتجديد البيداغوجي بواسطة مشاريع تربوية ومشاريع مؤسساتية وتواصل بيداغوجي نوعي لتلافي مختلف مظاهر الصراع بين المتعلمين…”
2- المطلوب:
ادرس هذه الحالة دراسة شاملة مع اقتراح حلول لها.
3- نموذج لإنشاء تربوي حول دراسة الحالة التربوية :
إن النص الذي نحن بصدد دراسته عبارة عن حالة تربوية تنتمي إلى حقل سوسيولوجية التربية أو المدرسة أو مايسمى بعلم الاجتماع التربوي . أي إن هذه الحالة ذات أبعاد ثقافية واجتماعية وتواصلية ، تشخص لنا الصراعات الموجودة داخل الفضاء المدرسي. ومن المعروف أن المؤسسة التعليمية عبارة عن مجتمع مصغر يعكس لنا حسب إميل دوركايم المجتمع الخارجي بكل تناقضاته الاجتماعية ومفارقاته الطبقية الصارخة. ومن ثم، تترجم لنا المدرسة وخاصة في المجتمع الرأسمالي والمتخلف الصراع الاجتماعي والطبقي، وتعكس لنا إيديولوجية الدولة ومصالح الطبقة السائدة أو الحاكمة. ونفهم من هذا أن المدرسة ليست محايدة بريئة، بل هي نتاج تصورات إيديولوجية تمارس العنف الرمزي من خلال النظام التربوي أوالتعليمي أوالصفي المفروض على المدرسين والمتمدرسين بتنفيذه وتطبيقه وتمثله، والمقنن بمناهج وبرامج ومقررات محددة بدقة على مستوى الأهداف والغايات والمرامي التي لاتخدم في الحقيقة سوى مصلحة الطبقة المالكة للسلطة والثراء أو الحائزة على الرأسمال الثقافي..
إذاً، مانوع المدرسة التي يشير إليها النص؟ وإلى أي مدى يمكن اعتبار المؤسسة فضاء للصراع الاجتماعي والطبقي والإيديولوجي؟ وكيف نستطيع أن نجعل من المدرسة فضاء للتوحيد والمساواة وتلافي الصراع الجدلي والثقافي واللغوي والاقتصادي بين المتعلمين، وبالتالي، تحويل المؤسسة التعليمية إلى مؤسسة التعايش الطبقي والانسجام المتكامل القائم على التعاون والتواصل والتفاهم لخدمة الوطن والأمة بشكل جماعي؟
يبين لنا النص أن المدرسة المرصودة هي مدرسة تقع بين منطقتين متفاوتتين اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وعمرانيا، وقد ترتب عن هذا التباين اختلاف مس جميع مظاهر الحياة المدرسية سواء على صعيد المؤسسة أم على صعيد القسم الصفي. ويعني هذا أن المدرسة التي تقع بين منطقتين مختلفتين سوسيواقتصاديا وثقافيا، أثرت سلبا على الفضاء المدرسي عبر تجسيد التفاوت الطبقي وبروز التناقضات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وقد ولد هذا الاختلال والتباين مجموعة من الصراعات الرمزية، بل والمادية أيضا كما تتمظهر في العنف والاحتقار والازدراء والنظرة الدونية التي يستشعرها المتعلم الذي ينتمي إلى الطبقات الدنيا، ناهيك عن الاستلاب والتغريب الذي يحسه كذلك داخل الصف الدراسي بين زملائه التلاميذ ذوي الأصول الاجتماعية الغنية.
ويتجلى هذا الصراع أيضا على مستوى الهوية والانتماء والثقافة واختلاف السنن اللغوي واللهجي، بله عن الصراعات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعرقية. ومن هنا ، تتحول المدرسة إلى فضاء التطاحن والعداوة والكراهية والصراع الجدلي والحقد الذي يتشربه التلاميذ الفقراء شعوريا ولاشعوريا إزاء أبناء المحظوظين. و لايتشكل هذا الصراع بهذه الخصائص النفسية والاجتماعية الصارخة إلا في المجتمع الرأسمالي أو المجتمعات المتخلفة التي تتصارع فيها البنيات الفوقية والبنيات التحتية صراعا جدليا قائما على النفي والإزاحة والتركيب.
ويؤيد هذا الطرح الذي يعتبر المدرسة فضاء للصراع الجدلي ما ذهب إليه الدكتور شبل بدران الذي اعتبر المدرسة من أخطر أجهزة الدولة الإيديولوجية إلى جانب مؤسسة الإعلام والمؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية والثقافية. ومن ثم، فالمدرسة أداة للاستلاب والاغتراب؛ لأنها تجرد المتعلم من إنسانيته وتشيئه وتخضعه لإيديولوجية التطبيع والتكييف والمحافظة على أعراف المجتمع وقيمه الموروثة ومبادئه المرسومة في الدستور، والذي يجسده بكل وضوح الميثاق الوطني للتربية والتكوين و ديباجة فلسفة النظام التربوي التعليمي كما تشخصه مقدمات المقررات والبرامج والمناهج الدراسية. و في هذا السياق يقول شبل بدران عن المدرسة بأنها:” أداة للحقن الإيديولوجي للإيديولوجيا السائدة. والتي هي بطبيعتها إيديولوجيا الطبقة السائدة، وفي اعتبارها أيضا أداة لإضفاء الشرعية والعقلانية وتبرير الأوضاع الاجتماعية السائدة والتي هي في غالبها تحقق مصالح الطبقات المسيطرة وتحقق المزيد من الانتشار والذيوع لإيديولوجيا على اعتبار أنها الإيديولوجيا التي تحقق المصالح العامة في المجتمع. إلا أن التربية- المدرسة- وهي تحقق كل ذلك، تخلق حالة من الاستلاب لدى الطلاب والمعلمين، تلك الحالة التي تجرد الإنسان من إنسانيته وتجعله كائنا مسحوقا، مشيئا، يعيش حالة من الاستلاب- الاغتراب- في المجتمع.”[1]
وتذهب المقاربة الصراعية إلى أن المدرسة لاتنتقي من هو أكثر كفاءة وقدرة وذكاء وإنتاجا وخبرة ، بل تختار من يساير مصالح الفئة الحاكمة ويخدم منافع الطبقة الاجتماعية السائدة، أي إن المدرسة لاتعترف سوى بالذي يخدم مصالح الفئة المسيطرة على الحكم وزمام السلطة وتملك الرأسمال المادي والرمزي.
وفي هذا الصدد يبين كولانز Collins بأن المدرسة تفرض على المتعلم ثقافة الطبقة السائدة ولغتها ومنظومتها التصورية والإيديولوجية، أي إن المدرسة تكرس ثقافة الجماعة المسيطرة على ضبط النظام التعليمي، وتقدمها له كثقافة عالمية مشروعة. ومن ثم، فإن الأفراد المثقفين الذين تنتجهم المدرسة لايتم اختيارهم حسب إنتاجهم الثقافي وكفاءتهم المعرفية، بل حسب خضوعهم للنظام المفروض تربويا وسياسيا، وإعلانهم التبعية للفئة الحاكمة والطبقة السائدة وولائهم لها ولقيمها الرمزية. فمن خلال هذا الاستسلام الطبقي والاجتماعي، يمكن للمثقف أن يصل إلى امتلاك السلطة والوصول إلى الثراء المادي والرمزي لتحقيق ذاته وتغيير أصله الاجتماعي ومنبته الثقافي والطبقي والإيديولوجي.
ويذهب كل من بورديو Bourdieu وپاسرون Passeron في كتابهما” إعادة الإنتاج/ La reproduction ” إلى أن المدرسة نتاج تقسيم العمل وصراع الطبقات الاجتماعية . ومن ثم، فالمدرسة تعيد إنتاج نفس الطبقات الرمزية، أي إن المدرسة تعمل على إعادة نفس قيم الطبقة الحاكمة عن طريق تشريب أبناء الطبقات الدنيا نفس القيم الثقافية واللغوية للطبقة الحاكمة. فالطفل الشعبي يجد عدة فوارق داخل المؤسسة التربوية تتعلق بلغته الأصلية التي قد تختلف مع لغة المدرسة وتتنافى مع لغة الطبقة الحاكمة، كما أن الهوية الثقافية مختلفة عن هوية زملائه من الطبقة الغنية التي قد تكون متشبعة بالهوية الفرانكفونية أو الأنگلوسكسونية مثلا . كما أن فقر التلاميذ المنحدرين من الأحياء الشعبية يجعلهم أمام ظاهرة انعدام تكافؤ الفرص على مستوى التعليم واكتساب المهارات الذكائية وقدرات التحليل والبرهنة ، وقد يؤدي بهم الأمر إلى الفشل المدرسي والرسوب والتكرار والانقطاع عن الدراسة والانحراف والتطرف. ويعني هذا أن التفاوت المادي والاقتصادي والاختلاف دخل الأسر يساهم في تأجيج الصراع الاجتماعي بين المتعلمين داخل المؤسسة التربوية وداخل الصف الدراسي. ومن هنا، فالفقراء لاينتجون عبر المؤسسة التعليمية سوى الطبقة البروليتارية، بينما البورجوازيون لايكونون سوى ورثة السلطة والجاه.[2]
وهذا يعني أن طفل الفئة البرجوازية يعيش استمرارية وتكاملا بين ثقافة فئته وثقافة مدرسته؛ مما يسهل عليه عملية التوافق، إن لم يكن مسبقا متوافقا، ومن ثمة يصبح وريثا للنظام المدرسي.[3]
أما طفل الطبقة الدنيا، فهو يعيش قطيعة وتناقضا بين ثقافة فئته وثقافة مدرسته؛ مما يجعل هذه الأخيرة غريبة وبعيدة عنه. [4]
ولكي يتوافق دراسيا معها، عليه أن يتخلص من رواسب ثقافته، وأن يتعلم طرقا جديدة في اللغة و التفكير. أي أن يتخلص حسب پيرونو Perrenoud من ثقافته الشعبية الدونية عن طريق عملية الانحلال من ثقافته الأصلية Déculturation، للانتقال إلى تمثل أسلوب الانفتاح على الآخر والتثاقف معه Acculturation .[5]
ويتضح لنا حسب أطروحة إعادة الإنتاج أن المدرسة ضمن أهدافها لاتخدم سوى الطبقة الحاكمة أو السائدة ، حيث إن أبناء هذه الطبقة يتوافقون مع تطلعات هذه المؤسسة التربوية إيديولوجيا لذا يكون النجاح حليفهم ، بينما المدرسة لاتتكامل ولا تتوافق في أهدافها مع تطلعات الطبقة الشعبية الفقيرة، لذا، فأبناؤها يتعرضون للفشل الدراسي والانقطاع عن المدرسة.
ومن جهة أخرى ، يذهب كل من بودلو و إستابلي Baudelot et Establet في كتابهما:” المدرسة الرأسمالية في فرنسا“[6] إلى تبني أطروحة المسلكين Thèse de deux réseaux . ويقصد بهذه الأطروحة أن هناك مسلك التعليم الابتدائي المهني ومسلك التعليم الثانوي العالي. يمتاز المسلك الأول بالتعليم القصير، ويقوم على التوجه المهني، ويربط التعليم بالشغل، ولا ينال صاحبه سوى فتات الثقافة، وبالتالي، يصبح المتعلم بروليتاريا في المستقبل. ويتسم المسلك الثاني بالتعليم الطويل والمستمر، والحصول على الشواهد العليا، وامتلاك ثقافة عميقة خاصة العقلية منها ، ويستفيد من هذا المسلك أبناء البورجوازية والطبقة السائدة.
وهكذا، نلاحظ بأن المدرسة الرأسمالية الفرنسية ليست مدرسة موحدة، بل هي متعددة القنوات والمسالك، يتصارع فيها البروليتاريون والبورجوازيون بطريقة رمزية وسيميائية واجتماعية، فلا يمكن للمدرسة – إذاً – أن توحد ماتم تفريقه سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
هذا، وتنطبق مواصفات المدرسة الرأسمالية الفرنسية على المدرسة المغربية التي تعيد إنتاج نفس القيم التي تسهر عليها الطبقة السائدة، وتتميز أيضا بخاصتين متقابلتين: التوجيه المهني والتوجيه العالي. أي إن التعليم المغربي هو كذلك خاضع لنظرية القناتين أو المسلكين، ومازال المغرب متشبثا على مستوى التخطيط والتوجيه التربوي بالتعليم المهني قصد الحد من ظاهرة بطالة حملة الشواهد العليا والدكتوراه . وهذا يبين لنا مدى تبعية المدرسة المغربية المتخلفة للمدرسة الفرنسية الرأسمالية في تجسيد تناقضات المجتمع الصارخة اقتصاديا واجتماعيا وطبقيا.
ويتمثل بازل برنشتاين [7] Basil Bernstein التصور اللساني الاجتماعي الذي يقر يأن الطبقات الوسطى والعليا تملك سننا لغويا واسعا ومرنا ورصينا يتسم بالخصوبة واتساع معجم مفرداته وبخاصية الاسترسال في التعبير واستعمال الجمل الطويلة الحافلة بالنعوت والصفات فضلا عن تشغيل الجمل البسيطة والمركبة الفاصلة والواصلة واستعمال المصادر المؤولة والتفكير المنطقي المتسلسل والتحليل المجرد الرمزي الذي يستوعب كل التناقضات.
أما طفل الفئات الدنيا فيشغل سننا لغويا ضيقا بسيطا وفقيرا من حيث اللغة والتعابير والمفردات، ناهيك عن قصور في التعبير والإنشاء ، وخلو الفقرات من التسلسل والتآلف التركيبي، ونقص في التقديم والاستنتاج والبرهنة، والميل بكثرة إلى المحسوس والملموس. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على فقر بيئة الطفل اللغوية، والتي تؤثر سلبا على مستوى التعليمي للطفل وتواصله الشفوي والكتابي داخل المؤسسة التربوية.
وهناك من دعا إلى إلغاء المدرسة الرأسمالية والقضاء عليها مادامت ذات أبعاد طبقية وإيديولوجية كما عند إيڤان إليتش IVAN ILLICH في كتابه” مجتمع بدون مدرسة“،[8] ذلك أن السيد إليتش:” ينزع أحيانا إلى القول بأن المدرسة ملائمة للعصر الصناعي وأنها من إرث مخلفاته، وينبغي أن تشجب فقط في البلدان المتخلفة وخاصة بلدان أمريكا اللاتينية ، حيث لاتستطيع أن توفر الانطلاقة اللازمة، وحيث يكون حذفها شرطا لازما لحذف الاستعمار والقضاء عليه. إلى أنه في أحيان أخرى يطلق أحكاما تنادي بالقضاء عليها قضاء جذريا ويرى فيها مؤسسة بالية أنى كانت.”[9]
إذا كانت المقاربة الصراعية لاترى في المدرسة سوى فضاء للتطاحنات الإيديولوجية والطبقية وفضاء للتفاوت الاجتماعي والثقافي واللغوي والاقتصادي. وبالتالي، أدت بالمدرسة إلى الفشل والإفلاس اللازمين، حيث صارت المدرسة عند الكثير من الملاحظين مؤسسة الخيبة والمأساة والصراع الجدلي والتناقضات الصارخة . فإن هناك من يعارض هذا الطرح الصراعي ، فيعتبر المقاربة الصراعية ذات أبعاد سياسية وحزبية ضيقة تنطلق من تصورات ماركسية أو هيجيلية أو منطلقات ڤيبيرية أو ألتوسيرية، ومن ثم تفتقد هذه التصورات خاصية الموضوعية والحياد والتحليل العلمي المنطقي ومصداقية التحليل المعقلن.
وعليه، فليس من الضروري أن تكون المدرسة فضاء للصراع والتطاحن العرقي واللغوي والثقافي وانعدام تكافؤ الفرص، بل يمكن أن تكون فضاء لإذابة الفوارق الاجتماعية وتعايش الطبقات وتوحيد الرؤى والتطلعات بين المتعلمين . ومن ثم، على المؤسسة التربوية أن تذيب كل الخلافات الموجودة بين التلاميذ على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي واللغوي، وتحرير المتعلمين المنحدرين من الفئة الدنيا من عقدهم الطبقية الشعورية واللاشعورية وتخليصهم من مركب النقص عن طريق تنفيذ المشاريع المؤسساتية وتقديم الأنشطة للترفيه عن التلاميذ وتكوينهم تكوينا ذاتيا يمحي كل الفوارق التي يمكن أن توجد بين المتمدرسين داخل المدرسة الواحدة. ومن أهم الوظائف الأساسية للمدرسة ” إيجاد حالة من التوازن بين عناصر البيئة الاجتماعية، وذلك بأن تتيح المدرسة لكل فرد الفرصة لتحريره من قيود طبقته الاجتماعية التي ولد فيها وأن يكون أكثر اتصالا وتفاعلا مع بيئته الاجتماعية والمذاهب الدينية.”.[10]
و لابد أن تساهم المدرسة في خلق علاقات إيجابية مثمرة بين التلاميذ فيما بينهم ، وبين المتعلمين وأطر التربية والإدارة ، تكون مبنية على التعاون والأخوة والتسامح والتواصل والتآلف والمشاركة الوجدانية والتكامل الإدراكي، ونبذ كل علاقة قائمة على الصراع الجدلي والعدوان والكراهية والإقصاء والتهميش والتنافر والكراهية والتغريب والجمود والتطرف والإرهاب.
ولابد للمدرسة من الاحتكام إلى منطق المساواة وتوفير العدالة والعمل على تحقيق تكافؤ الفرص ودمقرطة التعليم من أجل تكوين مواطن صالح ينفع وطنه وأمته، ويحافظ على ثوابت المجتمع، ويعمل جاهدا من أجل تحديث البلد وتغييره إيجابيا والرفع من مستواه التنموي والسير به نحو آفاق أرحب من الازدهار والرفاهية. كما تعمل المدرسة على تغيير المستوى الاجتماعي والاقتصادي للمتعلمين الذين ينحدرون من منطقة فقيرة، فعن طريق التعلم والحصول على الشواهد والدبلومات يستطيع ابن البيئة الفقيرة تغيير مستوى معيشته والمستوى الاقتصادي لأسرته كما هو الحال في المغرب، حيث تصبح الوظيفة العمومية التي يحصل عليها الطالب الناجح مسلكا للثراء والسلطة والترقي والتسلق الطبقي واكتساب قيم طبقة اجتماعية أخرى. أي تعمل المدرسة على تحسين الظروف الاقتصادية للمتعلم وتغيير طبقته الاجتماعية عن طريق التحلل من ثقافة بيئته الأصلية عن طريق تمثل ثقافة الطبقة الجديدة. وبالتالي، يجرنا هذا التصور إلى رفض ماتذهب إليه المقاربة الصراعية التي لاترى في المدرسة سوى فضاء للصراع الطبقي والتناحر العرقي وحلبة للتطويع الإيديولوجي وتبليغ قيم الطبقة الحاكمة أو السائدة. وهكذا لايجب:” أن يوقعنا هذا الطرح الصراعي في خطى الاعتقاد بتصور ميكانيكي وقدحي لدور المدرسة، أي اعتبارها دوما الجهاز الإيديولوجي للدولة البرجوازية أو الطبقة السائدة بمعنى أنها مؤسسة طبقية ذات وظيفة إيديولوجية. فلا بد من تجاوز هذا التصور الضيق لوظيفة المدرسة الاجتماعية، نظرا لكونها تتمتع باستقلالية نسبية عن قيود وتحديدات المحيط العام الذي تتفاعل معه وفيه، كما تتمتع بنظامها الداخلي الخاص بها، ومنطقها المتميز الذي تشتغل فيه وبه بنيانها”.[11]
وما نلاحظه عن المدرسة المغربية من تبعية للمدرسة الفرنسية منذ الحماية إلا دليل على “الانفصامية” التي تعيشها المدرسة المغربية،ومن المؤشرات الحقيقية كذلك على التناقضات الصارخة التي تبرز داخل المؤسسات التعليمية والتربوية ، و” يجب مراعاة وظيفة المدرسة في البلدان المتخلفة من حيث إنها تتحدد في سياق التبعية، وهذا مايترتب عنه طبيعة الأوضاع المزرية التي يشهدها التعليم في هذه البلدان، من انعدام العقلانية لافي التفسير ولا في التوجيه ولا في التأطير. وخير دليل على هذا ما يعرفه التعليم ببلادنا من غياب منظور شامل وعام يصوغ الأهداف المعرفية والتربوية ويحدد الوسائل البيداغوجية، وذلك لأننا ورثنا ذلك من الاستعمار وبقي مستمرا دون إعادة النظر الشامل في البنية التعليمية ، وكذا في جميع البنيات الأساسية في المجتمع المغربي.
هذا عكس ماتم بالغرب حيث تمكنت المؤسسة من تحقيق نوع من الانسجام والتكامل مع المحيط الثقافي والمجتمعي الذي تندرج فيه، أما بالمغرب فإن ” الفصامية” عندنا ماتزال قائمة بين الثقافة المدرسية ككل، وبين الإطار الاجتماعي والثقافي الذي تنخرط فيه. زيادة على هذا، تبقى المدرسة- حسب مصطفى محسن- بمثابة” صندوق أسود” لانمسك علميا بميكانيزمات وظائفها واشتغالها، وتحركها، ولا بالبرامج والنماذج المعرفية والسلوكية السائدة فيها.”[12]
وعلى الرغم من كون المدرسة فضاء للتعدد الثقافي واللغوي والتفاوت الاجتماعي والطبقي، إلا أنها تعتبر” عامل توحيد، عامل لم وجمع مختلف الطبقات الاجتماعية وصهر أفكارها وبلورتها بقدر الإمكان عبر خطابها التربوي.”[13]
ومن الحلول المقترحة للحد من ظاهرة الصراع المتعدد داخل الفضاء التربوي تطبيق البيداغوجيا الفارقية لمحو الفوارق المعرفية والقضاء على الفشل الدراسي والحفاظ على مستوى الذكاء الدراسي الموحد قصد تحقيق النتائج المرجوة من بيداغوجيا الكفايات وبيداغوجيا المجزوءات. وتنطلق